فمثل بذلك ظاهرة تستحق الوقوف عندها والاهتمام بها كحالة من الجهد المتواصل لتحقيق أحلام كانت تتعثر من حين لآخر. لقد كانت بدايات عزيز عيد المسرحية عندما انخرط في فرقة /اسكندر فرح الدمشقي 1810- 1904- الفرقة التمثيلية التي بدأت عملها باسم أبي خليل القباني والتي شكل غياب (سلامة حجازي 1852-1917)عنها فراغاً كبيراً لما لهذا الفنان من قدرات متميزة في الغناء والتمثيل بحيث أصبح عميد الغناء العربي في مصر حتى عام 191. وحين جاءت الحرب العالمية الأولى امتلأت مصر بجنود الإنكليز والمستعمرات واكتسحت القاهرة موجة من الانحلال وشاعت الملاهي الرخيصة فانكمش المصريون على حياتهم . وتقلصت بالتالي الفرق المسرحية ولم يبقَ منها غير فرقة /جورج أبيض/ -1880 -1950- ( وهو أحد أقطاب المسرح العربي من أصل لبناني أوفده الخديوي إسماعيل عام 1904م في بعثة إلى فرنسا لدراسة فن التمثيل) وكانت هذه الفرقة تحمل في جعبتها ثلاث مسرحيات قديمة مترجمة. وقد كان المسرح المصري على ما يبدو يعتمد على أسماء كبيرة للتمويل وبالتالي فإن ممولي هذه الأعمال المسرحية كان همهم اجتذاب الناس لتحقيق الربح بالدرجة الأولى. أما عزيز عيد لم يكن يملك سوى الموهبة كممثل هزلي متميز ومخرج ناجح يستطيع تحريك الممثلين على الخشبة بشكل جيد مما جعل جورج أبيض يوظف موهبته هذه دون أن يتحقق الانسجام الكامل بينهما. بل أكثر من ذلك حاربه مادياً ولم يلتزم بإعطائه أجوره المتفق عليها.
وفي هذه الظروف الخانقة ترك عزيز عيد فرقة جورج أبيض وهو يفكر بتقديم الرواية المصرية النابعة من أعماق الحياة المصرية وبقي على تفكيره رغم التشرد والإفلاس حتى التقى عام 1917م بأمين صدقي وشكلا ثنائياً جميلاً كنجيب الريحاني وبديع خيري فيما بعد . واستطاعا أن يؤلفا دراما ريفية مصرية من فصل واحد كان أسمها (الوردة الحمراء) مثل فيها عزيز عيد وتلميذه نجيب الريحاني. ولم تستطع هذه المسرحية مواجهة الشارع الفني المصري الذي تسيطر عليه الملاهي والعروض الرخيصة فأسدلت المسرحية ستارها بعد أسبوعين ليعود عزيز عيد يلملم أحلامه من جديد وهو في حالة التشرد والإفلاس الذين لازماه فترات طويلة من حياته. لم يكن نجيب الريحاني راضياً عن عناد وتشبث أستاذه بأفكاره. ورغم المحاولات العديدة لم يستطع إقناع عزيز عيد بالتراجع عن قيمه ومثله وهواجسه المسرحية في حين أنّ نجيب الريحاني انزلق أخيرا مع بعض أعضاء الفرقة لتقديم عروض - فرانكو اراب - معتمداً على شخصية - كشكش بيك - المأخوذة عن شخصية العمدة في رواية عزيز عيد الوردة الحمراء. (وكشكش) في الأصل اسم الدلع لنجيب الريحاني من صديقته (لوسي) التي تعمل راقصه في الملهى الذي يقدم فيه نجيب عروضه وهو لرجل رومي. ومن هنا انتشرت الشخصية الخالدة في المسرح المصري (كشكش بيك ). وكان عزيز عيد يتردد من حين لآخر لحضور ما يقدمه نجيب الريحاني ويجلس في الصفوف الخلفية متحسرا ً على صديقه الذي تراجع عن قيمه الفنية ليتضاعف أجره من -25- جنيه إلى -200- جنيه في الشهر خلال فترة وجيزة 0واستمر عزيز عيد مع نخبة من تلاميذه مشردين في الشوارع لا تملأ جيوبهم سوى الأحلام.
ومرة أخرى يغامر هذا الفنان بتأثير مباشر من صديقه -عزيز صدقي - أن يعمل في كازينو تديره امرأة فرنسية فعمل مع زملائه متفائلين بالاستمرار لتجميع رأسمال ما يساعدهم على تحقيق أحلامهم التي أصبحت هموم حقيقية تعترضها مصاعب مادية إلا أنّ هذه التجربة لم تستمر إلا أيام قليلة خرجت الفرقة من المسرح في اليوم الخامس مغسولة بالبيض والبندورة رغم الحضور الكبير ولكن من الأجانب الذين اعتادوا على نمط آخر من العروض. ولم يستكن عزيز عيد بل بقيت أحلامه تراوده في تقديم الرواية المصرية المحلية الحقيقية على مسرح حر وبقي تلاميذه يؤمنون به ويواجهون معه أياماً أُخرى من الفقر. في هذه الفترة أسس عزيز عيد لأول مسرح مصري في الهواء الطلق حيث كان كل مشاهد يحضر إلى هذا المسرح يصطحب معه خادماً يحمل له كرسيه وكان إذا حضرت عائل











